ابو بكر بن طفيل
92
حي بن يقظان
حي بن يقظان ، فلم يدر ما هو ، لأنه لم يكن شاهده قبل ذلك . فأكل منه آسال وأشار اليه ليأكل . ففكر حي بن يقظان فيما كان عقد على نفسه من الشروط في تناول الغذاء ؛ ولم يدر أصل ذلك الشيء الّذي قدم له : ما هو ، وهل يجوز له تناوله أم لا ؟ فامتنع عن الأكل . ولم يزل آسال يرغب اليه ويستعطفه . وقد كان أولع به حي بن يقظان ، فخشي ان دام على امتناعه ان يوحشه ؛ فأقدم على ذلك الزاد وأكل منه . حي يعرض على آسال امره فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط الغذاء ، وندم على فعله ، وأراد الانفصال عن آسال ، والاقبال على شأنه من طلب الرجوع إلى مقامه الكريم . فلم تتأت له المشاهدة بسرعة . فرأى أن يقيم مع آسال في عالم الحس ، يقف على حقيقة شأنه ، ولا يبقى في نفسه نزوع اليه ؛ وينصرف بعد ذلك إلى مقامه دون ان يشغله شاغل . فالتزم صحبة آسال . ولما رأى آسال أيضا انه لا يتكلم ، امن من غوائله على دينه ، ورجا ان يعلمه الكلام والعلم والدين ؛ فيكون له بذلك أعظم اجر وزلفى عند اللّه . فشرع آسال في تعليمه الكلام أولا ، بان كان يشير له إلى أعيان الموجودات ، وينطق بأسمائها ، ويكرر ذلك عليه ، ويحمله على النطق ؛ فينطق بها مقترنا بالإشارة ؛ حتى علمه الأسماء كلها ، ودرجه قليلا قليلا حتى تكلم في أقرب مدة . - فجعل آسال يسأله عن شأنه ، ومن اين صار إلى تلك الجزيرة . فاعلمه حي بن يقظان انه لا يدري لنفسه ابتداء ، ولا ابا ولا اما ، أكثر من الظبية التي ربته . ووصف له شأنه كله ، وكيف ترقى بالمعرفة ، حتى انتهى إلى درجة الوصول . تطابق العقل والشرع فلما سمع آسال منه وصف تلك الحقائق ، والذوات المفارقة لعالم الحس ، العارفة بذات الحق - عز وجل - ووصفه ذات الحق تعالى وجل ، بأوصافه الحسنى ، ووصف له ما أمكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وآلام المحجوبين ، لم يشك آسال في أن جميع الأشياء التي وردت في شريعته من امر اللّه عز وجل ، وملائكته